سيد محمد طنطاوي

330

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

انقلبت العداوة موالاة ، والبغضاء مودة ، والمقت محبة - فأفصحوا عن محض الإخلاص . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لأَبِيه ، لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ . . ) * كلام معترض بين الأقوال التي حكاها - سبحانه - عن إبراهيم - عليه السلام - . والاستثناء يترجح أنه منقطع ، لأن هذا القول من إبراهيم لأبيه ، ليس من جنس الكلام السابق ، الذي تبرأ فيه هو ومن معه مما عليه أقوامهم الكافرون . والمعنى : اقتدوا - أيها المؤمنون - بأبيكم إبراهيم - عليه السلام - وبالذين آمنوا معه ، في براءتهم من الشرك والمشركين . . ولكن لا تقتدوا به في استغفاره لأبيه الكافر ، لأن استغفاره له كان عن موعدة وعدها إياه ، فلما تبين له أنه عدو للَّه تبرأ منه . قال الإمام الشوكاني ما ملخصه : قوله : * ( إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لأَبِيه لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ . . ) * هو استثناء متصل من قوله : * ( فِي إِبْراهِيمَ ) * بتقدير مضاف . . أي : قد كانت لكم أسوة حسنة في مقالات إبراهيم ، إلا في قوله لأبيه : لأستغفرن لك . ويصح أن يكون استثناء متصلا من قوله : * ( أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) * وصح ذلك لأن القول من جملة الأسوة ، فكأنه قيل : قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم في جميع أقواله وأفعاله ، إلا في قوله لأبيه لأستغفرن لك . أو هو استثناء منقطع ، أي : اقتدوا بإبراهيم في كل أقواله وأحواله ، لكن لا تقتدوا به في قوله لأبيه المشرك : لأستغفرن لك ، بأن تستغفروا لآبائكم المشركين ، لأن استغفار إبراهيم لأبيه المشرك كان عن موعدة وعدها إياه ، أو أنه ظن أن أباه قد أسلم . . « 2 » . وقوله - سبحانه - * ( وما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّه مِنْ شَيْءٍ ) * حكاية لبقية كلام إبراهيم لأبيه ، وليس الاستثناء متوجها إليه ، لأن هذه الجملة بيان لما تحلى به إبراهيم - عليه السلام - من آداب مع ربه - تعالى - حيث فوض الأمر إليه - سبحانه - . أي : وعد إبراهيم أباه بالاستغفار له ، أملا في هدايته ، وقال له : يا أبت إني لا أملك لك من أمر قبول الاستغفار شيئا ، بل الأمر كله للَّه ، إن شاء عذبك وإن شاء عفا عنك ، والجملة الكريمة في محل نصب على الحال من فاعل * ( لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ) * أي : لأستغفرن لك حالة كوني لا أملك من أمر المغفرة أو غيرها شيئا ، وإنما الذي يملك ذلك هو اللَّه - عز وجل - . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانبا مما تضرع به إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه فقال : * ( رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإِلَيْكَ أَنَبْنا وإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) * .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 514 . ( 2 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 5 ص 212 .